عبد الرحمن بدوي

257

أرسطو عند العرب

وذلك أن ما كان سببا لكل واحد من الأشياء فيما يوجد له من الكمال الذي يخصه في طبيعته فهو أحق منه بالعلو والشرف ، فيجب أن يكون سبب حركة الجسم الإلهى إنما هو اشتياقه إلى الشئ الذي هو الغاية في الجود وإياه ننحو ونأمّ . ولما كانت هذه حال هذا الشئ المتشوق ، وجب من ذلك أن يكون أفضل من جميع الأشياء الموجودة . وليس يمكن أن يكون جسما ، وذلك أن الجسم الإلهى المتحرك عنه أفضل من جميع الأجسام : إذ كان جسما بسيطا غير منفصل « 1 » ، وكانت الحركة التي يتحركها ذاتية له ، وإن كان إنما يمكن فيها وحدها من بين سائر الحركات أن تكون متصلة أزلية ، وإنما يمكن أن تكون بهذه الحال من الحركات بحسب ما تبين « 2 » في مواضع أخر ، الحركات الدورية فقط . ونقول إنه إن كان جسما فظاهر أنه طبيعىّ ، لأن الأجسام الطبيعية أقدم وأفضل مما ليس كذلك . وإن كان طبيعيا فهو أيضا متحرك ، ومتى كان متحركا فله في ذاته سبب الحركة الطبيعية من قبل أن جميع الحركات التي بالطبع إنما تكون بالاشتياق . وهذا السبب إن قال فيه أيضا قائل إنه جسم ، خرج الأمر في الأجسام الإلهية إلى ما لا نهاية له . وتبقى إذن أن يكون الشئ الذي يتوق إليه الجسم الإلهى جوهرا ما ليس بجسم ولا متحرك ؛ وذلك أنه على هذا النحو فقط يكون مستغنيا عن شئ آخر ، إذ كان كل ما يتحرك حركة طبيعية فإنما يتحرك بالاشتياق إلى شئ . والإنسان [ 108 ب ] إن تبيّن أن المحرك الأول هو غير متحرك من أن الذي يحرك ويتحرك هو مركب مما يتحرك ويحرك . وقد يجب . . . « 3 » يكون متى وجد واحد من الأشياء البسيطة التي اجتمع عنها هذا المركب بحال ما أن يكون الآخر أيضا يحكى شبها ، وأعنى بهذا القول أنه متى كان أحدهما إنما يفارق الآخر بالقول « 4 » ، أن يكون الآخر إنما يفارقه بمثل ما فارقه ذاك به ، أعنى بالقول . وإن كانت مفارقته إياه ليست بالقول فقط بل قد يتهيأ أيضا مع ذلك أن يكون موجودا دون الآخر كانت سبيل الآخر أيضا تلك السبيل بعينها . والشئ المتحرك ليس إنما يفارق المحرك بالقول فقط ، بل قد يوجد في أشياء كثيرة مفارقا له بالذات ؛ وذلك أنه قد يوجد بعض الأشياء يتحرك عن شئ من غير أن يكون محركا لشئ

--> ( 1 ) فوقها : منفصل . ( 2 ) فوقها : بيناه . ( 3 ) هنا خرم . ( 4 ) فوقها : بالحد .